الشيخ محمد رشيد رضا

268

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الاجتماع فيها وانها كلها تضاف بهذا الاعتبار إلى اللّه عز وجل أراد ان يبين حقيقة الامر فيها من وجه آخر فقال * * * ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ قيل إن الخطاب هنا لكل من يتوجه اليه من المكلفين ، وقيل للنبي ( ص ) والمراد به كل من أرسل إليهم ، والمعنى مهما يصبك من حسنة فهي من محض فضل اللّه الذي سخر لك المنافع التي تحسن عندك لا باستحقاق سبق لك عنده وإلا فبماذا استحققت ان يسخر لك الهواء النقي الذي يطهر دمك ويحفظ حياتك ، والماء العذب الذي يمد حياتك وحياة كل الاحياء التي تنتفع بها ، وهذه الأزواج الكثيرة من نبات الأرض وحيواناتها ، وغير ذلك من مواد الغذاء ، وأسباب الراحة والهناء ، ومهما يصبك من سيئة فمن نفسك فإنك أوتيت قدرة على العمل واختيارا في تقدير الباعث الفطري عليه من درء المضار وجلب المنافع فصرت تعمل باجتهادك في ترجيح بعض الأسباب والمقاصد على بعض فتخطئ فتقع فيما يسوءك ، فلا أنت تسير على سنن الفطرة وتتحرى جادتها ، ولا أنت تحيط علما بالسنن والأسباب وضبط الهوى والإرادة في اختيار الحسن منها ، وانما ترجح بعضها على بعض في حين دون حين بالهوى أو قبل المعرفة التامة بالنافع والضار منها فتقع فيما يسوءك ولولا ذلك لما عملت السيئات وتفصيل القول إن هنا حقيقتين متفقتين ( إحداهما ) ان كل شيء من عند اللّه بمعنى انه خالق الأشياء التي هي مواد المنافع والمضار ، وانه واضع النظام والسنن لأسباب الوصول إلى هذه الأشياء بسعي الانسان ، وكل شيء حسن بهذا الاعتبار ، لأنه مظهر الإبداع والنظام ، ( والثانية ) ان الانسان لا يقع في شيء يسوءه الا بتقصير منه في استبانة الأسباب وتعرف السنن ، فالسوء معنى يعرض للأشياء بتصرف الإنسان وباعتبار انها تسوءه وليس ذاتيا لها ولذلك يسند إلى الانسان مثال ذلك المرض فهو من الأمور التي تسوء الانسان وهو انما يصيبه بتقصيره في السير على سنة الفطرة في الغذاء والعمل فيجىء من تخمة قادته إليها الشهوة ، أو من إفراط في التعب أو في الراحة ، أو من عدم اتقاء أسباب الضرر كتعريض نفسه للبرد